ابن عربي

103

شجون المسجون وفنون المفتون

[ 27 / آ ] وهبهم إيّاها سبحانه ، ولزم أن يكون عائد أفعالهم عليهم ، وإذا كان كذلك لزم أن يعرّفهم ما يضرّهم منها وما ينفعهم ، ويدلهّم على استدراك ما فرط ، وجلب ما يزيدهم من الخيرات ، فعرّفهم سبحانه بالأوامر والنّواهي ، ما يضرّ وما ينفع ، وجعل ذلك بصورة الأمر منه ، حتّى كأنّ العائد يعود عليه ، ثمّ جعل الثّواب والعقاب تأكيدا ، ثمّ علّمهم استدراك ما فرط منهم بالتّوبة ، وجلب ما يزيد بالدّعاء ، وربط الأمر بالصّبر ، وجعل هذا القدر رضاه منهم ترغيبا لهم فيه ، فمن زعم أنّه يطلب الله ، فغايته أن يطلب رضاه ، ومن طلب رضاه فهو الّذي عمل على مصلحته في دنياه وأخراه ، فما ظهر منها حقّقه « 1 » بالعقل في سائر الأبواب ، وما خفي قلّده بالنّقل الصّحيح عن الكتاب ، ومتى تبرّأ العبد من هواه ، وعمل على نفعه مقتديا بكتاب الله ، فقد بلغ رضاه ، إذ لا يعود النّفع على أحد سواه ، ومن علم أنّ إيجاد الوجود لا عن افتقار ولا عبث ، فقد تحقّق ما قلناه . واعلم أنّ الله تعالى قد خلق الأكوان ، ووهبها للإنسان ، وهداه ومكّنه فيما لديه ، وجعل اختياره وأعماله عائدها عليه ، وجعل الأمر في ذلك إليه . نظم في ذلك : [ البسيط ] يا نائما عن هواه قطّ لم ينم * قم واقرع الباب بين العفو والكرم ما كان كان فلا تفكر به أبدا * إذا ندمت أضعت العمر في النّدم نبأ : جميع الملاذ والمحبوبات ، بل سائر المعقولات والمحسوسات موجودة في النّفس مضافا إلى ما فيها أيضا ، وإنّما رأت في الخارج وأحبّت ما هو فيها ، وإذا فارقته بالموت ، إنّما فارقت علاقتها علاقته الصّورية ، ثمّ وجدت ما شاءت من أهل وولد ، وغير ذلك أقرب إليها ، وأيّ قرب ، لأنّه لامكان هناك فيعتبر فيه القرب بالنّسبة إلى بعد ، ولهذا إنّما

--> ( 1 ) في الأصل : « حقيقة » .